Friday, February 02, 2007

عندما يتفرق الناس



عندما يتفرق الناس جهلا، خوفا أو طمعا، يجمعهم الحب والفرح بولادة إنسان جديد، صاف صفاء الفطرة، لم يعكر قلبه غلّ ولا حقد ولم تلوّث يديه دماء معركة المقدسات ولا صراعات السيطرة والتحرير.
حول مهد "يامن"، حفيدي التشيكي الصغير، التقت عيون وقلوب باعدت ما بينها المواطن والمبادئ وجمعتها يدان صغيرتان بصلة الرحم والقربى. ونطقت الألسنة بالعربية والتشيكية والانكليزية عبارات المحبة والتدليل وأخلص التمنيات. وغنيت له كما غنينا لأخواله من قبل أغنية تضم باقتها اسمه الجميل... يامن، ولقب الدلال "يمّون"

حبيبي يا يامن ... حبيبي يا يمّون
أدعيلك يا تيتا ... ربّ العالمين
يجعلك يا قلبي ... قوي وأمين
والطالع ميمون ... والقلب حنون
على العالمين
حبيبي يا يامن ... حبيبي يا يمّون
أطلبلك من ربي ... الرحمن الرحيم
يطول من حياتك ... سعيد وأمين
ويجعلك في الجنة ... من أهل اليمين
أصحاب اليمين
حبيبي يا يامن ... حبيبي يا يمّون
شايفتك بعيوني ... من أحلى الحلوين
أصغر الحبايب ... ياألطف البنين
يجعلك إلهك ... قوي وأمين
من أهل السعادة ... أصحاب اليمين

سلبيتنا وإيجابيتهم



أغادر غدا براغ، هذه المدينة الجميلة وأعود إلى دمشق، وفي قلبي أمنية أرجو أن تتحقق... أن تصبح حياتي في دمشق أكثر راحة وجمالا.
سأغادر براغ وعلى صفحة جمالها الطبيعي المطبوعة في خاطري تومض أنوار محطات إنسانية أحدثكم بشيء عنها؛ في إحداها كنّتي زوجة ولدي التشيكية المولد الإنسانية الثقافة إذ وضعتني أمام نفسي في سؤال يغوص وما يزال أعماق الذات ويعريها، إلى أي مدى نعيش الالتزام بما نقول أننا نعتقده؟، أو بتعبير آخر، هل نعتقد ما نقول؟
نزلنا من الحافلة واتجهنا صعودا إلى البيت عبر أحد الشوارع المتفرعة عن الساحة، حيث تجمع عدد من الأشخاص حول سيارة يتصاعد منها الدخان... كان الدخان قد ظهر عابرا غطاء محركها بعد صوت انفجار قوي دوّى وسط الساحة خلف الحافلة... كان همّي الابتعاد بأسرع ما يمكن بعيدا وقد تداعت في ذهني صور السيارات المتفجرة في بغداد وعشرات الضحايا بين قتيل وجريح.
قلت: "يتكا".. هيا! وأنا أمسك بذراع كنتي لتبتعد عن الساحة لكنها وقفت ولم تتحرك...
قالت: “Maybe somebody will need help!” لكن من دون تفكير ضغطت على ذراعها لننسحب بعيدا وعلى وجهها علامات الامتعاض... مشينا وبعد وهلة فكرت فيما قالت، وقلت في نفسي ربما كان هناك من يحتاج إلى عون وربما استطعنا تقديم المساعدة، فتساءلتُ: هل نعود؟... قالت ومازال الاستياء على وجهها مستغربة: آلآن؟!
"يتكا" الأوربية التشيكية سمعت ورأت وتوقفت لتساعد، وأنا سمعت فتذكرت فجائع ما في أخبارنا وخفت وبادرت للفرار!... لم أنم تلك الليلة وبقيت خجلة من نفسي أسألها لماذا كان الهرب ردة فعلي الأولى؟ وكانت ضرورة المساعدة أول ما خطر في بال كنّتي!... وحضرت في ذاكرتي صورة "راتشيل كوري" الصبية الأمريكية التي وقفت أمام جرافة الصهاينة في قطاع غزة تحاول أن تحمي بجسدها الصغير بيتا فلسطينيا من الهدم والاقتلاع، فاكتسحتها الجرافة واستشهدت تحت الركام، وضربت مثلا للالتزام أنحني له إجلالا.
وها أنا لا أستطيع أن أمضي مطمئنة الضمير وأنا أقارن بين سلبيتي وإيجابية فتاتين من أوربا وأمريكا. أنا المولودة في أرض الحروب والهروب... بلد المباديء العظيمة وأبعدها عن التطبيق، ابنة الأمة العاشقة للكرامة والحرية والعدل والاستقلال والخاضعة لأسوأ أنواع الاستغلال، فإن نفض أبناؤها غبار الخضوع وتجاوزوا الصمت والخنوع، دخلوا دوامات العنف حيث يسيطر في ساحة فعلنا ورد فعلنا القتال، فإما قاتل أو هارب أو مقتول... كم ضيقنا على أنفسنا عندما حصرنا جهادنا بالقتال!
وما زلت أتساءل ما سر سلبيتنا وإيجابيتهم؟ ولماذا يطبقون من الإسلام ما لا يعرفون، ونعجز عن العمل بما نعرف من الحق ونعتقد أنه الصحيح؟!

Friday, December 08, 2006

الذين يختفون



الذين يختفون!

ذات يوم وجدتني محاصرة في مكان ضيق، انقطعت سبل المعرفة والأخبار عني وأحسست حينها أنني قد مِتّ، وأيقنت أن حياة الإنسان تعني تدفق سيل المعلومات عبر حواسّه و تفاعله معها وبالتالي شعوره بوجوده في هذا الكون!

وأشهد أن هذا اليوم، الأحد، يوم العطلة والنزهات في عاصمة جمهورية التشيك قد ملأ نفسي إحساساً بالحياة عبر لقاء السمع والبصر، ولو بلمحات سريعة وإرهاصات لطيفة لجوانب عدة من حياة أرض وشعب، في بلد النصب والأبراج وتماثيل القديسين ونواقيس الكنائس، والدمى اليدوية الصنع لشخصيات غريبة تمثل أساطير هذا الشعب وخرافات عجائزه. وأرجو أن تكون الصور الذهنية التي أنشأها تفاعلي مع ما شاهدت قريبة من الواقع.

براغ مدينة قديمة جميلة الطراز، دوّن شعبها تاريخه وأساطيره وأفكاره بتجسيد مادي بالأشياء والتماثيل والصور، في الساحات وعلى الجدران وعلى زجاج النوافذ وأفاريزها، وفوق البوابات وأعالي الأبراج. مدينة خضراء تترامى على ضفتي نهر فلتافا وتتناثر فيها معالم الإيمان بكنائسها وأديرتها العديدة.

سألني ولدي ونحن نستعد لجولة عبر معالم المدينة السياحية، هل رأيت التماثيل التي تختفي؟ استغربت التعبير.. أهي حكاية من حكايا الجنيات أم تجسيدلأسطورة من أساطير براغ الكثيرة؟! أوضح فقال: التماثيل التي تنزل الدرجات في موقف "أويزد"! كانت تلك التماثيل في تلك الحديقة قد لفتت نظري وأنا أراها عبر نافذة الترام في ذهابي وإيابي، تبدو من بعيد كمجموعة من الرجال يهبطون واحدا بعد الآخر درجا ينزل من أعلى التلة في وسط الحديقة الممتدة على سفح ذاك الوادي الذي يعبره طريق السيارات وسكة الترام في تلك المنطقة، وكثيرا ما لمحت المتنزهين يقفون متأملين تلك التماثيل التي ظننت أنها مجرد مجسمات فنية لتزيين تلك الحديقة الأنيقة بإبداعات الأيد الفنانة الماهرة، كعادة التشيكيين يتجميل كل شيء بجمال الجسد البشري المنحوت، بتضاريسه الطبيعية أو تموجات ثيابه ولمعان تيجانه وسيوفه.

اصطحبني ولدي في يوم العطلة ذاك إلى تلك الحديقة وقد هيأت نفسي لنزهة صباحية أتمتع فيها بخلق الله.. وإبداع البشر. نزلنا من الترام.. صعدنا الطريق المرصوف بالأحجار الذي يستمر حتى منتصف ارتفاع الحديقة، حيث تبدأ الدرجات صعودها إلى أعلى التلة، وهناك في فسحة تلتقي عندها ممرات الحديقة بأدراجها، اجتمع كثير من الزائرين وبعضهم له ملامح الشرق الأقصى من اليابانيين يتأملون الدرجات والتماثيل التي تنزلها ويذهب بعضهم إلى القريبة منها لتلتقط لهم الصور وهم يبتسمون.

فوجئت عندما رأيت أن التماثيل هي للرجل نفسه تتكرر سبع مرات صاعدة الدرج لا نازلة عليه! إذ لا يمكن أن تكون نازلة لأنها تنقص جزءاً بعد جزء كلما علت إلى أن تختفي معالمها كبشر يكتسحه الإختفاء!! ففي الدرجات الأولى في البداية تمثال لرجل كهل.. يليه صعودا الرجل نفسه وقد شُرخ صدره بشق مائل عميق.. يعلوه التمثال نفسه وقد سقط شقه الأيمن... ثم بعد درجات يتلاشى شقه الآخر ويبقى من التمثال أعلى بطنه وطرفاه السفليان... ويزول نصفه الأعلى تماما في الدرجات العليا، ليبقى في التمثال الأخير بقية ساقين خيل إلي أنها بقايا شجرة قصفتها الريح قريبا من الأرض.

منظر مفجع! نكأ جراحا دامية في نفسي علاها رماد السنين. عرفت أنه
نصب يخلد ذكرى الذين اختفوا في سجون الحكم الشيوعي في التشيك، وعجبت للسياح الزائرين يبتسمون وهم يعانقون التماثيل ويلتقطون الصور معها. ترى هل يعرفون ما عرفتُه عن قصتها وقد أثارت في نفسي الشجون؟ غالبت غصتي ودموعي وأنا أسمع ترجمة الكلمات المحفورة على اللوحة التذكارية التي تتقدم النصب وتسجل أن التشيك التي تخلصت من الحكم الشيوعي في عام 1989 قد فقدت خلال أربعين عاما أربعة آلاف وخمسمائة سجين قضوا في السجون... وأن الذين حوكموا وأدينوا لمعارضتهم بلغ مائتين وخمسة آلاف وأربع مائة وستة وثمانين معارضا (205486) أعدم منهم مائتان وثمان وأربعون... فرّ من البلاد مائة وسبعون ألفا وتسعمائة وثمان وثلاثون (170938) لم ينجح في الفرار وقتل على الحدود ثلاثمائة وسبع وعشرون!! قصة طرقت مثيلاتها أسماعنا منذ صبانا عن ملايين المفقودين في عهد ستالين.

وكعادتهم في تسجيل تاريخهم بالنصب والتماثيل خلد التشيكيون ذكرى الذين فقدوا وسجنوا وهاجروا، وذكرتني تماثيلهم بمن فقدتُ، وما فقدت الأمهات والبنات والزوجات والأخوات والصديقات من أحبائهن في قصص إيزابيل الليندي من التشيلي والدكتور جيفاكو، وخفايا المصالحة والحقيقة في المغرب ومذابح الجزائر وسجون العشرين عاما ومافوق في جنوب إفريقيا وفي مصر، ومؤبدات إسرائيل والمغيبة أخبارهم لأكثر من ربع قرن في سورية، ومقابر صدام الجماعية والجثث المجهولة الهوية في عراق اليوم. ولجوء الناس إلى التخيل والتنجيم وتحضير الأرواح في زمن القهر وتسلط العسكريين وأنصار الحكم الشمولي في أنحاء العالم، وما نعرف وما سنعرف من ضحايا الرأي والانتماء حيث تختلط الأفكار بالمصالح، والمقدس من أهداف الأحزاب بالدنس من مطامع الأقارب والأنصار ورجال العقائد، ويصبح الحق ضحية القوة ويزين الشيطان لأولياءه عملهم الرديء وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا ويتوهمون أنهم ينصرون الحقيقة والعدالة والمساواة، وهم يرتكبون بحق غيرهم أفدح المظالم ويسلبونهم الحياة المقدسة والكرامة التي أعطاها الخالق العظيم لبني آدم وهو وحده يحق له أن يأخذها.

تذكرت في هذه العجالة حديث رسول الله "لايزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يرتكب دما حراما" وأن "من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا" و ذكرت أن لا إله إلا الله تعني تحرير الانسان من كل ضغط أكان رغبة أم رهبة وتعني حرية الإعتقاد والحركة التي تقف عند حدود الآخرين صائنة ما منحهم الله من حق الحرية. وترددت بين جوانحي الآية الكريمة [لقد كرمنا بني آدم] إذ يتسع التكريم فيشمل الجميع من شتى العروق والأجناس واللغات والأماكن والعقائد...

وفجر الجسد المشروخ للتماثيل وغيابها التدريجي حزني وذكرني بالغياب التدريجي لرجالنا عن ساحة الحياة. وانحدار مطالبنا وتقلصها شيئا فشيئا، فمن رغبة بحرية الاعتقاد والتعبير، إلى رفض للاعتقال بهذه التهمة، إلى مطالبة بمحاكمة علنية، إلى رغبة بزيارة للسجين، إلى التوسل بشتى الطرق لنعرف أخباره، إلى تلقي إشاعات موته والسعي الفاشل للتأكد من موته أو حياته... إلى مطالبة بتوثيق وفاة من مات ليصل أهله إلى حالة الحداد!

لفت انتباهي أن ذلك المناضل المفقود يفقد جسده و هو يرتفع إلى أعلى ليحتل موقع الشهادة في ذاكرة شعبه... وذكرني الغياب التدريجي لذلك الإنسان بالمنحى النفسي المتهاوي للمقهورين إذ يبدأون مناضلين لأجل هدف سام وينتهون طالبين راحة اليأس لطول الفقد والإحباط.


الجواهري
براغ المدينة الخضراء المرصعة بالقرميد الأحمر يشقها نهر فلتافا العريض، قادتني إلى إلى طاولة صغيرة خلف نافذة عريضة مفتوحة على المدى الواسع لنهر فلتافا حيث تتراءى على ضقته المقابلة قصور براغ وأبنيتها وحصونها مترامية على كتف الشاطيء، وصاعدة السفح، قالت لي ابنتي: هنا في هذا المقهى كان يحلو للجواهري، شاعر العرب في القرن العشرين، الجلوس والتأمل... رفّ قلبي حنانا للمهاجرالذي وجد في تشرده المأوى والتكريم والاستشفاء لعشرات السنين قضاها مبعدا عن وطنه، ناء تحت أحكام الطغاة الذين قتلوا وهجروا واستعبدوا واستبعدوا، حتى تجاوزت أعداد المهاجرين والمنفيين الخمسة ملايين، تهمة أكثرهم الثقافة أو الانتماء للآخر مبدءا أو لغة أو مذهبا.

ويقال أن الجواهري حطّ في براغ صدفة وكان يبغي في رحيله بلدا أوربيا آخر ولكنه أمن هنا واستراح... وجعل حجه الدائم إلى هذه النافذة في مقهى سلافيا المطل على النهر العريض يذكره بالفرات! ويتأمل الأضواء والخضرة في السفح المقابل. أترى يذكره هذا المشهد بسفح قاسيون وبيوت حي المهاجرين حيث تتلألأ أنوارها ليلا وتتلألأ أنوار دمشق؟ تحية يا دمشق من براغ، وقد تشابه بينكما الليل والنهر والسفح والسهل، واحتضن كلاكما شاعرا كبيرا من شعراء العرب! دمشق العاصمة الأقدم في العالم، تسمع في حاراتها هسيس التاريخ، وبراغ مدينة أصيلة يعيش في أنحائها العريقة الطراز تاريخ أوربا وعصورها الوسطى، ولكلتا المدينتين من الحداثة نصيب. فهل من دعاة حوار الحضارات من يتوئم بينهما؟

Wednesday, May 10, 2006

عود على بدء


سمحت الحكومة السورية لفلسطينيي العراق المصلوبين منذ عدة أشهر على الحدود الأردنية العراقية باللجوء إلى سورية.

ذكرني ما حدث اليوم بما جرى قبل ستين عاما عندما لجأ بعض فلسطينيي الشمال الفلسطيني إلى لبنان ووقعوا بين فكّي كماشة!

بين خوفهم إن عادوا إلى بلادهم من التعرض لفظائع العصابات الصهيونية التي استلمت فلسطين من حكومة الانتداب البريطاني وأخذت تمارس في حق أهلها سياسة الإرهاب - كمذبحة دير ياسين- وبين الفرار واللجوء إلى جارهم الشمالي القريب حيث قوبلوا بلا ترحاب وأساء بعض أفراد المجتمع اللبناني بتوازناته الهشة استقبالهم. حدثني أبي عن ذلك الشجار الذي جرى بين بعض زعماء صيدا وبين أولئك المشردين اليائسين الممتلئين غضبا وحزنا وقد سدت في وجوههم أبواب الأمان، كما حدثتني أمي أن الفرج أتى حينها من دمشق حيث أرسل رئيس الجمهورية السورية آنذاك المرحوم شكري القوتلي السيارات فحمل كثيرا منهم إلى مخيم النيرب قرب حلب. لعل بعضهم مازال حيا ولعله كان واعيا أكثر مني لما جرى ولعل ما يحدث اليوم قد ذ ّكره بما حدث بالأمس البعيد.

أّمّا نحن فقد حملنا أبي في شاحنة إلى دمشق عليها بضع صرر مختلفة المحتوى غامرت جدتي في جلبها من حيفا ببطولة وإيثار عظيمين وكان أفضل ماحملته لنا تلك السجادة العجمية التي جلل فيها أبي سطح الشاحنة التي أقلّتنا فتكومنا تحتها مع أسرة عمي وهي تحملنا بعيدا على طريق اللجوء.

هاهو يوم جديد ذو هم جديد ينكأ جرحنا القديم، يذكرني بالكفاح المرير الذي عاناه آباؤنا وأمهاتنا للصعود من وهدة اليأس والحاجة والانكسار ليصنعوا لنا كرامة واكتفاء وأملاً ليحفظوا حياتنا ويرسموا مستقبلنا، وهاهي سورية تبرهن من جديد على كرمها وصدق انتمائها.

اليوم وقد تجاوزت الستين من عمري لازلت أذكر بكثير من الامتنان كل كلمة حب وكل مشاركة و كل أريحية وكل تقدير عزز إيماني وانتمائي لوطني وأمتي وديني وكرس إصراري على طلب العلم والتفوق وغذىّ شوقي إلى المعرفة وحّببّ إلي الحياة نضالا من أجل قضية. ذلك الذي صنعه آباؤنا وأمهاتنا ومعلمونا ومعلماتنا - أولئك السوريون الكرام وتلكم السوريات المؤمنات المثقفات العربيات الّذين ما شعرت يوما أني أكثر منهم انتماء لفلسطين- أولئك الرجال وتلكم النساء الّذين جعلوا حرية أمتهم وتقدمها هدفا شخصيا واتخذوا التعليم رسالة مقدسة سواء أولئك الذين عشقوا العروبة أم أولئك الذين آمنوا برسالة الإسلام وانتموا إلى عالمه العريض.

سألني ولدي: هل عانيتم الفقر يوما؟ قلت لم أشعر يوماً أننا فقراء ذلك أن أبي حرص دائما على أن يعطينا كل ما نحتاج إليه وحرصت أمي على ألا نطلب مالانملكه.

لابد أن أنوه بأهمية العطاء والعون الذي بذله الأفراد والمؤسسات الخيرية الوطنية والعالمية وأن أشكره. كان ذلك العطاء مهما جدا لأولئك الذين فقدوا وطنهم وفقدوا معه كل شيء وكان ذلك العون مهما للبقاء ولتأمين الحد الأدنى من العيش.

أما الحياة الحقيقية حياة الكرامة والأمل والعلم والعمل، حياة امتدت جذورها لتنهل من أرض الوطن المفقود حلاوة الذكريات وأمل العودة وهي تصبوا إلى سماء الحرية والاقتدار والعطاء. تلك كانت ملحمتنا ملحمة القرن العشرين التي تنتظر لتخلد.

ولدي الغالي:
تلك رحلة طويلة يحتاج سردها إلى وقت طويل بخياراتها وأولوياتها وصعوباتها وحزنها وفرحها وانجازاتها، لكن دعني أشير إلى ما أعتبره أهم العناوين لنشاطنا الإنساني فيها معتمدة على ما أذكره مما رأيت وسمعته من أهلي. لاسيما من والدي الذي رحمه الله كان شاهدا على قرنه بارعاً في سرده.

"صنعة في اليد أمان من الفقر" ذلك هو العنوان الأول.
خرج الناس من بلادهم بلا مال لم يكن لديهم من وسيلة للكسب إلا ما اختزنته عقولهم وأتقنته أيديهم ونزر يسير من المعونات.

ليس غريبا أن يعود والدي مقاول حيفا المعروف ليحمل الأحجار ويبني بيده كأي عامل بناء ليقدم لنا الغذاء والكساء والعلم وهاهي أمي - تلك السيدة الغنية المدللة قبل الهجرة- تحمل أولادها الثلاثة إلى بيت تلك العجوز الفطنة التي لم تخرج معها إلا آلة الخياطة لتخيط عندها ما نحتاجه من ثياب مستفيدة من بعض خبرة تعلمتها قبل الزواج.

ولعل من المفيد أن أخبرك أنه كان في الصرر التي حملتها جدتي لنا في عجلة من أمرها عندما خرجت وحيفا تجتاحها عصابات اليهود صرة تحوي أغطية بيضاء لطقم الاستقبال - الكنبايات - حولتها أمي لنا قمصانا وسراويل كما حولت مخرمات الستائر في صرة أخرى إلى وجوه للحف خاطتها من حرامات وكالة الغوث السوداء ولعل من المفيد أن أخبرك أن آلة الخياطة كانت أول شيْ اشترته عائلتي بعد اللجوء.

العنوان المهم التالي هو "العلم".
كان أولوية يهون من أجلها فراق الأهل ومعاناة الغربة فغربة أبي في الخليج عندما كان الخليج صحراء بدائية أمنت لنا بيتا مستقلا وتعلما في أفضل مدارس دمشق في ذلك الوقت وكان التعلم بالمراسلة سلوى والدي في ليالي الوحدة الطويلة ولا مؤنس له إلا الكتاب حتى إذا ملّ جلس على شاطئ البحر يراقب السرطانات تلاعب الموج على رمال سيهات وان عاد إلى غرفته الساخنة كالفرن علق على بابها حراما مبلولا بالماء وقد جلس يرسم ويكتب وقدماه في طشت الماء. أما الشرب فكان من زمزميه من قماش تعلق في الهواء ليبّرد ماءها التبخر. ومن تلك الصحراء التي كانت تضع قدمها على أول طريق التمدن، كان أبي يراسل جامعة في شفيلد بانكلترا ليتابع دروسه في الهندسة المعمارية والرسم الهندسي وهذا ما أكد مصداقيته ووثق خبرته عند عودته إلى مهنته كمقاول ُثم كخبير لدى وكالة الغوث ثم وزارة الأشغال والمواصلات في سوريا في مجال تعليم مهنة البناء والرسم المعماري.

يابني: سألتني هل عانيتم الفقر؟ أقول لا لأن الجيل الذي ربانا كان غنيا بقيمه وأهدافه وأخلاقه كان يملك الكثير من الحب كان جيلا يحب أن يعطي ومازلت أذكر قول مديرة مدرستي وأنا طالبة في الخامسة عشرة من عمري المربية الكبيرة ليلى الصباغ تخطب فينا وتقول: "إن الحياة جميلة عند أولئك الّذين يريدون أن يعطوا".

رحمك الله يا أبي ها أنا أحكي قصة كفاحكم لأبنائي وجيل قادم كي يتعلموا تحويل الهزيمة إلى دروس والفقر إلى غنى لعلنا نكتسب قدرتكم على اختيار الأجدى وتحدي القيود لاسيما تلك التي تكبلنا من داخلنا.

أم همام 5/10/06

Thursday, April 27, 2006

أبنائي الغائبين


أبنائي الغائبين:
ظننت أني فقدتكم عندما ضربت أجنحتكم الفضاء وانطلقتم باحثين عن الأمان والحرية
هل يستطيع أن يبتعد إنسان ينبض قلبه بحب وطنه وهموم أمته ويكبر هذا القلب حتى يتسع لهموم الناس جميعا؟
لم أفقدكم، هانحن نلتقي وأنتم كبار وأحرار في الساحة نفسها، ها نحن نلتقي على عشق المثل الأعلى للإنسان، الإنسان الذي كرمه الله وحرره.

سرّني ما عبرّّت عنه كتاباتكم من الوعي والإخلاص وصدق الانتماء.

أنا سعيدة يا أبنائي باختياركم هذا الدرب وأنه تم دون ضغط مني بل من قناعات مستندة إلى تجاربكم الخاصة وقراءتكم للفكر المطروح على جيلكم والأحداث التي تجري تحت أنظاركم وتؤثر في مجريات حياتكم.

تمنيت لو كانت قضيتنا كأمة – تلك التي نتوارثها جيلا بعد جيل– أن نعرف كيف نحيا لا أن نناضل مرة بعد مرة لنقول أننا نستحق أن نحيا.

تمنيت لكم الحرية والأمان في بلادكم التي تعشقون وان يكون نضالكم في ساحات المخابر والمعامل ومنابر الأدب ومجالات الإنتاج والإبداع في تسخير الكون خدمة وسلاماً ونفعا لخلق الله عيال الله.

لقد أردت أن تنشئوا سليمي القلوب بلا عقد، بلا حقد، وأن تختاروا نصرة الحق لأنه حق وأن ترفضوا الباطل لأنه باطل، ومن هذا المنطلق قلت لرئيس اتحاد الكتاب العرب عام 1980 عندما ضاع أبوكم في غياهب المعتقلات وقصدته ليسأل عنه معنا : لن أنشئ أولادي ورسالتهم في الحياة البحث عن أبيهم الضائع، إن هذا البحث هو مهمتكم أنتم أيها النقابيون أيها الزملاء الكبار. وانصرفت لأربيكم مكبلة بالانتظار!

قد سدت الأبواب والنوافذ قي وجهي وتضاءلت الأمنيات حتى أصبح همي أن أعرف يقيناً هل مازال على قيد الحياة؟

مع فداحة ثمن الالتزام تلكأت قليلا أمام مفترق الطرق. أيها عليّ أن أسير في تربيتكم؟ أبالدين المتهم؟ مع النبذ، والحصار، واحتمالات السجن والتشرد؟ أم بالسطحية والنفعية وإغراء السلامة والوصول؟

لم يطل وقوفي هناك. سعيت لتنشئوا ملتزمين بأخلاق المؤمنين أعزاء كرماء محبين للناس جميعا دون تعصب وأن يكون انتماؤكم لله مهما كانت نهاية الطريق.

اعتصمت بالصمت حول محنة أبيكم حتى لا تمتلئ قلوبكم حقداً، خفت أن تلفكم دوامة امتحان جديد في قضية لا تنبع من وجدانكم ومعرفتكم وتجربتكم، خفت من تأنيب الضمير لو شحنتكم انفعالاً بما أحب وأكره أو أعاني وأنتم أطفال عزل من سلاح المعرفة والقدرة على الاختيار - تلك المعرفة التي يعطيها النضج وممارسة الحياة - أردت أن تدفعوا ثمن قناعاتكم أنتم لا قناعات الكبار دون دراسة وتمحيص. أردت أن تختاروا رسالة حياتكم كراماً أحراراً بلا طمع ولا خوف فلما وجدتكم تكتبون للحق والحرية أسعدني اللقاء بكم في هذه الساحة النظيفة والكريمة.

كان هذا مع شيء من التوضيح ما كتبته بعد قراءتي مدوناتكم الأولى، ولكن السؤال الذي واجهني به أخوكم الأصغر أحقاً أنت سعيدة باختيارهم هذا الدرب؟ أوقفني مترددة في نشره في حينه بعد صمتي الطويل.

الصمت الذي ظننت أنه قوقعة الحماية فكان صليب العذاب (عذابي وربما عذابكم) وهذا ما ارجوكم أن تغفروه وهذا ما أسال الله سبحانه وتعالى أن يجنبكم آثاره السيئة.


يراوح الناس في مواقفهم بين السلبية اللامبالية والايجابية الحادة المتحمّسة و التي قد تصل إلى التطرف وكلا الأمرين أسهل من محاولة الاعتدال وانه لعمري من الجهاد الأكبر للنفس في رغبتها وخوفها وغرورها.
هذا ما هون علي خياري المميت فقد علمّني أبوكم في منهاجه التربوي أن أختار المجدي ولو لم يكن الأحب إلى نفسي، وهكذا تخليت عن هوى النضال والتزمت بأمومتي لكم وقد خلت العائلة من رجالها!شغلت نفسي بهمومكم اليومية وخنقت
رغبتي في الصراخ

الالتزام برعايتكم والتخلي عن البحث اللامجدي عن أولئك الذين غيّبوا، هو الجهاد الذي اخترته وكان مؤلماً وصعبا جداً. استعنت بالله، كان دعائي في تهجدي "ربي عرفني حدي وألزمنيه" وكان أول ماتهمس به شفتاي كلما فتحت عيني صباح كل يوم : قوني يارب وأحيني إلى أن يكبر أولادي.

هل أصبت؟
عزائي أني ما اتخذت موقفا إلا بعد كثير من المعاناة والتردد واستخارة الله سبحانه وتعالى في كل قول أو عمل.
هل أنا سعيدة حقا بماتكتبون؟ يسرني أنكم تكتبون، ويحزنني ماتعانون.

تمنيت لو أورثناكم فرحاً، وأملا، واكتفاءً. تمنيت لو استطعنا أن نقول لا بملء فينا في الزمان والمكان المناسبين داخل وطن يتسع للجميع ولاترحلون.

تمنيت لو خلت كتاباتكم من هذا الكم الكبير من المرارة و اليأس والإحباط.
سامحونا على صمتنا يا أبناءنا واعملوا ماتثقون بصحته وجدواه وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

أنتم في قلوبنا وعلى ألسنتنا ولو نأت بكم الدروب.
نذكركم وندعو لكم، سدد الله العلي القدير آراءكم، وهدى خطاكم، وحماكم
إن ذلك من عزم الأمور.

أم همام 26 /4/2006

Tuesday, April 04, 2006

فرصة هل تضيعونها؟؟


"اختار الشعب الفلسطيني بأغلبية مطلقة حكومة حماس"
ينبغي للعالم أن يقّيّم جيداً ماحدث فإن الوصول إلى الحكم بآلية ديمقراطية سليمة عند شعب عقّّّّد الاحتلال حياته وحمل الكثير من فئاته السلاح هو بادرة متميزة في عالم ثالث تعود على قفز العسكر إلى مراكز الحكم.

انهمرت دموعي فرحاً كمسافر ضائع رأى على الضفة الأخرى من الوادي معالم طريقه فوضع قدمه على أول جسر العبور وقد خلّف في التيه الرواحل وفقد الكثير من رفاق الطريق.

لقد كان ذلك انتصاراً لفلسطين وكان انتصاراً لمن يأملون في حراك الإسلام السياسي خروجاً من هوة الإحباط.

إن الانتصار الأهم حالياً برأيي المحب المتواضع هو في اجتياز هذه الحكومة المباركة الحقل المزروع بألغام الشك والحقد وسوء النوايا، القدرة على اقتحام جدار الجهل والتجاهل الذي تصر على ترسيخه بعض دول العالم الأول فتهدد بالحرمان والحصار والتجويع. إن الوصول إلى ساحة الفعل هي المرحلة التالية من الطريق الصعب الطويل يقود الركب فيها أخوة باجتهاد جديد، ومن الإنصاف أن نشكر لمجاهدينا الأوائل ما قدموا وأن نلتمس لهم فيما لانرضاه سبعين عذرا وأن يعيشوا مع ذويهم حياة كريمة كما يليق بكل من خدم شعبه فترة طويلة من حياته، ناهيك عن رعاية عائلات الشهداء والجرحى وذوي الإعاقات. ومن المهم جداً الاستفادة من خبراتهم الغزيرة مما اكتسبوا من نجاحات وماعانوا من خيبات رسخت أو ساهمت في تغيير أساليب الكفاح مما لاشك فيه أن الشعب إذ اختارهذه الفئة من مناضليه كان يعتقد انه اختار الأمناء الأقوياء.

ننتظر منكم أيها الأقوياء الأمناء:

رأب الصدوع في علاقات فصائل الأمة والشعب وعلاج مشاكل الناس الأشد إلحاحا والبناء بأسرع وقت ماهدّم من بنية المجتمع التحتية وبرنامج تعليم وتربية يتغلب على ماخلّف النضال الدامي من إعاقات نفسية واجتماعية. ننتظر مشاريع اقتصادية وقوانين مدروسة ومقبولة ديمقراطيا لتأسيس وبناء مجتمع فاضل ينتصر فيه الإنسان بالحق وينصر الحق ولو على نفسه.

لقد طرح الفكر الإسلامي نفسه خلال القرن العشرين حلا لأزمات الأمة وأنه قادر على تحقيق الكرامة والعدل والحرية والمساواة وهاهي الفرصة قد حانت لإثبات ما أمنتم به وما عرفكم به الشعب الذي أولاكم ثقته.

إن مصداقية المسلمين أمانة بين أيديكم. إن العالم عطش طال شوقه إلى سياسة نبيلة الأهداف نظيفة الوسائل.

أيها الأمناء الأقوياء حذار من طمع الأهل والأصحاب والمحاسيب والأنصار الذين قد تدفعون دينكم ثمنا لدنياهم. فقد يصبر الناس على امتياز أفراد عائلة مالكة ولو جاروا ولكنهم لايغفرون لثوري أن يتهم بالفساد أو يتنكر لمبادئه. أيها المعلمون يا من علمتم الدنيا كيف يكون الصبر على الألم والحرمان نخاف عليكم الدنيا فلاتنسينّكم السياسة الآخرة والجنة. يا إخوة الإيمان "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ". سورة المائدة (8 آية).

نتمنى وقد عاش الكثير من الفلسطينيين متاهة اللجوء محاصرين بلا هوية باحثين عن جنسية تعطيهم جواز سفر أن تقوم في فلسطين دولة القانون يدعمها الفلسطينيون أينما كانوا يجتازون بانتمائهم إليها الحدود والسدود ويكسرون القيود ليعيشوا حياة كريمة معطاء تساهم في تطور وتحسين الحياة لأنفسهم ولغيرهم من شعوب العالم.
ياعشاق الأرض السليبة ليس هذا تخلياً عن حلم العودة ولاعن حقنا بالعودة ولاعن واجبنا تجاه العودة ولكن هي القدرة على ترتيب الأولويات واختيار الأجدى مع الثقة المطلقة بأنفسنا أصحاب رسالة تحب الإنسان وتكرم الإنسان وترحم الإنسان وتفتدي حريته وحقوقه.

أيها الأقوياء الأمناء تثق بإخلاصكم وقوتكم وننتظر الخير على أيديكم نتمنى أن يعطي العالم نفسه فرصة أن يعرف جوهركم النبيل الكريم ومبدأكم العظيم الرحيم.

.نسأل الله أن يوفقكم