Wednesday, May 10, 2006

عود على بدء


سمحت الحكومة السورية لفلسطينيي العراق المصلوبين منذ عدة أشهر على الحدود الأردنية العراقية باللجوء إلى سورية.

ذكرني ما حدث اليوم بما جرى قبل ستين عاما عندما لجأ بعض فلسطينيي الشمال الفلسطيني إلى لبنان ووقعوا بين فكّي كماشة!

بين خوفهم إن عادوا إلى بلادهم من التعرض لفظائع العصابات الصهيونية التي استلمت فلسطين من حكومة الانتداب البريطاني وأخذت تمارس في حق أهلها سياسة الإرهاب - كمذبحة دير ياسين- وبين الفرار واللجوء إلى جارهم الشمالي القريب حيث قوبلوا بلا ترحاب وأساء بعض أفراد المجتمع اللبناني بتوازناته الهشة استقبالهم. حدثني أبي عن ذلك الشجار الذي جرى بين بعض زعماء صيدا وبين أولئك المشردين اليائسين الممتلئين غضبا وحزنا وقد سدت في وجوههم أبواب الأمان، كما حدثتني أمي أن الفرج أتى حينها من دمشق حيث أرسل رئيس الجمهورية السورية آنذاك المرحوم شكري القوتلي السيارات فحمل كثيرا منهم إلى مخيم النيرب قرب حلب. لعل بعضهم مازال حيا ولعله كان واعيا أكثر مني لما جرى ولعل ما يحدث اليوم قد ذ ّكره بما حدث بالأمس البعيد.

أّمّا نحن فقد حملنا أبي في شاحنة إلى دمشق عليها بضع صرر مختلفة المحتوى غامرت جدتي في جلبها من حيفا ببطولة وإيثار عظيمين وكان أفضل ماحملته لنا تلك السجادة العجمية التي جلل فيها أبي سطح الشاحنة التي أقلّتنا فتكومنا تحتها مع أسرة عمي وهي تحملنا بعيدا على طريق اللجوء.

هاهو يوم جديد ذو هم جديد ينكأ جرحنا القديم، يذكرني بالكفاح المرير الذي عاناه آباؤنا وأمهاتنا للصعود من وهدة اليأس والحاجة والانكسار ليصنعوا لنا كرامة واكتفاء وأملاً ليحفظوا حياتنا ويرسموا مستقبلنا، وهاهي سورية تبرهن من جديد على كرمها وصدق انتمائها.

اليوم وقد تجاوزت الستين من عمري لازلت أذكر بكثير من الامتنان كل كلمة حب وكل مشاركة و كل أريحية وكل تقدير عزز إيماني وانتمائي لوطني وأمتي وديني وكرس إصراري على طلب العلم والتفوق وغذىّ شوقي إلى المعرفة وحّببّ إلي الحياة نضالا من أجل قضية. ذلك الذي صنعه آباؤنا وأمهاتنا ومعلمونا ومعلماتنا - أولئك السوريون الكرام وتلكم السوريات المؤمنات المثقفات العربيات الّذين ما شعرت يوما أني أكثر منهم انتماء لفلسطين- أولئك الرجال وتلكم النساء الّذين جعلوا حرية أمتهم وتقدمها هدفا شخصيا واتخذوا التعليم رسالة مقدسة سواء أولئك الذين عشقوا العروبة أم أولئك الذين آمنوا برسالة الإسلام وانتموا إلى عالمه العريض.

سألني ولدي: هل عانيتم الفقر يوما؟ قلت لم أشعر يوماً أننا فقراء ذلك أن أبي حرص دائما على أن يعطينا كل ما نحتاج إليه وحرصت أمي على ألا نطلب مالانملكه.

لابد أن أنوه بأهمية العطاء والعون الذي بذله الأفراد والمؤسسات الخيرية الوطنية والعالمية وأن أشكره. كان ذلك العطاء مهما جدا لأولئك الذين فقدوا وطنهم وفقدوا معه كل شيء وكان ذلك العون مهما للبقاء ولتأمين الحد الأدنى من العيش.

أما الحياة الحقيقية حياة الكرامة والأمل والعلم والعمل، حياة امتدت جذورها لتنهل من أرض الوطن المفقود حلاوة الذكريات وأمل العودة وهي تصبوا إلى سماء الحرية والاقتدار والعطاء. تلك كانت ملحمتنا ملحمة القرن العشرين التي تنتظر لتخلد.

ولدي الغالي:
تلك رحلة طويلة يحتاج سردها إلى وقت طويل بخياراتها وأولوياتها وصعوباتها وحزنها وفرحها وانجازاتها، لكن دعني أشير إلى ما أعتبره أهم العناوين لنشاطنا الإنساني فيها معتمدة على ما أذكره مما رأيت وسمعته من أهلي. لاسيما من والدي الذي رحمه الله كان شاهدا على قرنه بارعاً في سرده.

"صنعة في اليد أمان من الفقر" ذلك هو العنوان الأول.
خرج الناس من بلادهم بلا مال لم يكن لديهم من وسيلة للكسب إلا ما اختزنته عقولهم وأتقنته أيديهم ونزر يسير من المعونات.

ليس غريبا أن يعود والدي مقاول حيفا المعروف ليحمل الأحجار ويبني بيده كأي عامل بناء ليقدم لنا الغذاء والكساء والعلم وهاهي أمي - تلك السيدة الغنية المدللة قبل الهجرة- تحمل أولادها الثلاثة إلى بيت تلك العجوز الفطنة التي لم تخرج معها إلا آلة الخياطة لتخيط عندها ما نحتاجه من ثياب مستفيدة من بعض خبرة تعلمتها قبل الزواج.

ولعل من المفيد أن أخبرك أنه كان في الصرر التي حملتها جدتي لنا في عجلة من أمرها عندما خرجت وحيفا تجتاحها عصابات اليهود صرة تحوي أغطية بيضاء لطقم الاستقبال - الكنبايات - حولتها أمي لنا قمصانا وسراويل كما حولت مخرمات الستائر في صرة أخرى إلى وجوه للحف خاطتها من حرامات وكالة الغوث السوداء ولعل من المفيد أن أخبرك أن آلة الخياطة كانت أول شيْ اشترته عائلتي بعد اللجوء.

العنوان المهم التالي هو "العلم".
كان أولوية يهون من أجلها فراق الأهل ومعاناة الغربة فغربة أبي في الخليج عندما كان الخليج صحراء بدائية أمنت لنا بيتا مستقلا وتعلما في أفضل مدارس دمشق في ذلك الوقت وكان التعلم بالمراسلة سلوى والدي في ليالي الوحدة الطويلة ولا مؤنس له إلا الكتاب حتى إذا ملّ جلس على شاطئ البحر يراقب السرطانات تلاعب الموج على رمال سيهات وان عاد إلى غرفته الساخنة كالفرن علق على بابها حراما مبلولا بالماء وقد جلس يرسم ويكتب وقدماه في طشت الماء. أما الشرب فكان من زمزميه من قماش تعلق في الهواء ليبّرد ماءها التبخر. ومن تلك الصحراء التي كانت تضع قدمها على أول طريق التمدن، كان أبي يراسل جامعة في شفيلد بانكلترا ليتابع دروسه في الهندسة المعمارية والرسم الهندسي وهذا ما أكد مصداقيته ووثق خبرته عند عودته إلى مهنته كمقاول ُثم كخبير لدى وكالة الغوث ثم وزارة الأشغال والمواصلات في سوريا في مجال تعليم مهنة البناء والرسم المعماري.

يابني: سألتني هل عانيتم الفقر؟ أقول لا لأن الجيل الذي ربانا كان غنيا بقيمه وأهدافه وأخلاقه كان يملك الكثير من الحب كان جيلا يحب أن يعطي ومازلت أذكر قول مديرة مدرستي وأنا طالبة في الخامسة عشرة من عمري المربية الكبيرة ليلى الصباغ تخطب فينا وتقول: "إن الحياة جميلة عند أولئك الّذين يريدون أن يعطوا".

رحمك الله يا أبي ها أنا أحكي قصة كفاحكم لأبنائي وجيل قادم كي يتعلموا تحويل الهزيمة إلى دروس والفقر إلى غنى لعلنا نكتسب قدرتكم على اختيار الأجدى وتحدي القيود لاسيما تلك التي تكبلنا من داخلنا.

أم همام 5/10/06