Friday, December 08, 2006

الذين يختفون



الذين يختفون!

ذات يوم وجدتني محاصرة في مكان ضيق، انقطعت سبل المعرفة والأخبار عني وأحسست حينها أنني قد مِتّ، وأيقنت أن حياة الإنسان تعني تدفق سيل المعلومات عبر حواسّه و تفاعله معها وبالتالي شعوره بوجوده في هذا الكون!

وأشهد أن هذا اليوم، الأحد، يوم العطلة والنزهات في عاصمة جمهورية التشيك قد ملأ نفسي إحساساً بالحياة عبر لقاء السمع والبصر، ولو بلمحات سريعة وإرهاصات لطيفة لجوانب عدة من حياة أرض وشعب، في بلد النصب والأبراج وتماثيل القديسين ونواقيس الكنائس، والدمى اليدوية الصنع لشخصيات غريبة تمثل أساطير هذا الشعب وخرافات عجائزه. وأرجو أن تكون الصور الذهنية التي أنشأها تفاعلي مع ما شاهدت قريبة من الواقع.

براغ مدينة قديمة جميلة الطراز، دوّن شعبها تاريخه وأساطيره وأفكاره بتجسيد مادي بالأشياء والتماثيل والصور، في الساحات وعلى الجدران وعلى زجاج النوافذ وأفاريزها، وفوق البوابات وأعالي الأبراج. مدينة خضراء تترامى على ضفتي نهر فلتافا وتتناثر فيها معالم الإيمان بكنائسها وأديرتها العديدة.

سألني ولدي ونحن نستعد لجولة عبر معالم المدينة السياحية، هل رأيت التماثيل التي تختفي؟ استغربت التعبير.. أهي حكاية من حكايا الجنيات أم تجسيدلأسطورة من أساطير براغ الكثيرة؟! أوضح فقال: التماثيل التي تنزل الدرجات في موقف "أويزد"! كانت تلك التماثيل في تلك الحديقة قد لفتت نظري وأنا أراها عبر نافذة الترام في ذهابي وإيابي، تبدو من بعيد كمجموعة من الرجال يهبطون واحدا بعد الآخر درجا ينزل من أعلى التلة في وسط الحديقة الممتدة على سفح ذاك الوادي الذي يعبره طريق السيارات وسكة الترام في تلك المنطقة، وكثيرا ما لمحت المتنزهين يقفون متأملين تلك التماثيل التي ظننت أنها مجرد مجسمات فنية لتزيين تلك الحديقة الأنيقة بإبداعات الأيد الفنانة الماهرة، كعادة التشيكيين يتجميل كل شيء بجمال الجسد البشري المنحوت، بتضاريسه الطبيعية أو تموجات ثيابه ولمعان تيجانه وسيوفه.

اصطحبني ولدي في يوم العطلة ذاك إلى تلك الحديقة وقد هيأت نفسي لنزهة صباحية أتمتع فيها بخلق الله.. وإبداع البشر. نزلنا من الترام.. صعدنا الطريق المرصوف بالأحجار الذي يستمر حتى منتصف ارتفاع الحديقة، حيث تبدأ الدرجات صعودها إلى أعلى التلة، وهناك في فسحة تلتقي عندها ممرات الحديقة بأدراجها، اجتمع كثير من الزائرين وبعضهم له ملامح الشرق الأقصى من اليابانيين يتأملون الدرجات والتماثيل التي تنزلها ويذهب بعضهم إلى القريبة منها لتلتقط لهم الصور وهم يبتسمون.

فوجئت عندما رأيت أن التماثيل هي للرجل نفسه تتكرر سبع مرات صاعدة الدرج لا نازلة عليه! إذ لا يمكن أن تكون نازلة لأنها تنقص جزءاً بعد جزء كلما علت إلى أن تختفي معالمها كبشر يكتسحه الإختفاء!! ففي الدرجات الأولى في البداية تمثال لرجل كهل.. يليه صعودا الرجل نفسه وقد شُرخ صدره بشق مائل عميق.. يعلوه التمثال نفسه وقد سقط شقه الأيمن... ثم بعد درجات يتلاشى شقه الآخر ويبقى من التمثال أعلى بطنه وطرفاه السفليان... ويزول نصفه الأعلى تماما في الدرجات العليا، ليبقى في التمثال الأخير بقية ساقين خيل إلي أنها بقايا شجرة قصفتها الريح قريبا من الأرض.

منظر مفجع! نكأ جراحا دامية في نفسي علاها رماد السنين. عرفت أنه
نصب يخلد ذكرى الذين اختفوا في سجون الحكم الشيوعي في التشيك، وعجبت للسياح الزائرين يبتسمون وهم يعانقون التماثيل ويلتقطون الصور معها. ترى هل يعرفون ما عرفتُه عن قصتها وقد أثارت في نفسي الشجون؟ غالبت غصتي ودموعي وأنا أسمع ترجمة الكلمات المحفورة على اللوحة التذكارية التي تتقدم النصب وتسجل أن التشيك التي تخلصت من الحكم الشيوعي في عام 1989 قد فقدت خلال أربعين عاما أربعة آلاف وخمسمائة سجين قضوا في السجون... وأن الذين حوكموا وأدينوا لمعارضتهم بلغ مائتين وخمسة آلاف وأربع مائة وستة وثمانين معارضا (205486) أعدم منهم مائتان وثمان وأربعون... فرّ من البلاد مائة وسبعون ألفا وتسعمائة وثمان وثلاثون (170938) لم ينجح في الفرار وقتل على الحدود ثلاثمائة وسبع وعشرون!! قصة طرقت مثيلاتها أسماعنا منذ صبانا عن ملايين المفقودين في عهد ستالين.

وكعادتهم في تسجيل تاريخهم بالنصب والتماثيل خلد التشيكيون ذكرى الذين فقدوا وسجنوا وهاجروا، وذكرتني تماثيلهم بمن فقدتُ، وما فقدت الأمهات والبنات والزوجات والأخوات والصديقات من أحبائهن في قصص إيزابيل الليندي من التشيلي والدكتور جيفاكو، وخفايا المصالحة والحقيقة في المغرب ومذابح الجزائر وسجون العشرين عاما ومافوق في جنوب إفريقيا وفي مصر، ومؤبدات إسرائيل والمغيبة أخبارهم لأكثر من ربع قرن في سورية، ومقابر صدام الجماعية والجثث المجهولة الهوية في عراق اليوم. ولجوء الناس إلى التخيل والتنجيم وتحضير الأرواح في زمن القهر وتسلط العسكريين وأنصار الحكم الشمولي في أنحاء العالم، وما نعرف وما سنعرف من ضحايا الرأي والانتماء حيث تختلط الأفكار بالمصالح، والمقدس من أهداف الأحزاب بالدنس من مطامع الأقارب والأنصار ورجال العقائد، ويصبح الحق ضحية القوة ويزين الشيطان لأولياءه عملهم الرديء وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا ويتوهمون أنهم ينصرون الحقيقة والعدالة والمساواة، وهم يرتكبون بحق غيرهم أفدح المظالم ويسلبونهم الحياة المقدسة والكرامة التي أعطاها الخالق العظيم لبني آدم وهو وحده يحق له أن يأخذها.

تذكرت في هذه العجالة حديث رسول الله "لايزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يرتكب دما حراما" وأن "من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا" و ذكرت أن لا إله إلا الله تعني تحرير الانسان من كل ضغط أكان رغبة أم رهبة وتعني حرية الإعتقاد والحركة التي تقف عند حدود الآخرين صائنة ما منحهم الله من حق الحرية. وترددت بين جوانحي الآية الكريمة [لقد كرمنا بني آدم] إذ يتسع التكريم فيشمل الجميع من شتى العروق والأجناس واللغات والأماكن والعقائد...

وفجر الجسد المشروخ للتماثيل وغيابها التدريجي حزني وذكرني بالغياب التدريجي لرجالنا عن ساحة الحياة. وانحدار مطالبنا وتقلصها شيئا فشيئا، فمن رغبة بحرية الاعتقاد والتعبير، إلى رفض للاعتقال بهذه التهمة، إلى مطالبة بمحاكمة علنية، إلى رغبة بزيارة للسجين، إلى التوسل بشتى الطرق لنعرف أخباره، إلى تلقي إشاعات موته والسعي الفاشل للتأكد من موته أو حياته... إلى مطالبة بتوثيق وفاة من مات ليصل أهله إلى حالة الحداد!

لفت انتباهي أن ذلك المناضل المفقود يفقد جسده و هو يرتفع إلى أعلى ليحتل موقع الشهادة في ذاكرة شعبه... وذكرني الغياب التدريجي لذلك الإنسان بالمنحى النفسي المتهاوي للمقهورين إذ يبدأون مناضلين لأجل هدف سام وينتهون طالبين راحة اليأس لطول الفقد والإحباط.


الجواهري
براغ المدينة الخضراء المرصعة بالقرميد الأحمر يشقها نهر فلتافا العريض، قادتني إلى إلى طاولة صغيرة خلف نافذة عريضة مفتوحة على المدى الواسع لنهر فلتافا حيث تتراءى على ضقته المقابلة قصور براغ وأبنيتها وحصونها مترامية على كتف الشاطيء، وصاعدة السفح، قالت لي ابنتي: هنا في هذا المقهى كان يحلو للجواهري، شاعر العرب في القرن العشرين، الجلوس والتأمل... رفّ قلبي حنانا للمهاجرالذي وجد في تشرده المأوى والتكريم والاستشفاء لعشرات السنين قضاها مبعدا عن وطنه، ناء تحت أحكام الطغاة الذين قتلوا وهجروا واستعبدوا واستبعدوا، حتى تجاوزت أعداد المهاجرين والمنفيين الخمسة ملايين، تهمة أكثرهم الثقافة أو الانتماء للآخر مبدءا أو لغة أو مذهبا.

ويقال أن الجواهري حطّ في براغ صدفة وكان يبغي في رحيله بلدا أوربيا آخر ولكنه أمن هنا واستراح... وجعل حجه الدائم إلى هذه النافذة في مقهى سلافيا المطل على النهر العريض يذكره بالفرات! ويتأمل الأضواء والخضرة في السفح المقابل. أترى يذكره هذا المشهد بسفح قاسيون وبيوت حي المهاجرين حيث تتلألأ أنوارها ليلا وتتلألأ أنوار دمشق؟ تحية يا دمشق من براغ، وقد تشابه بينكما الليل والنهر والسفح والسهل، واحتضن كلاكما شاعرا كبيرا من شعراء العرب! دمشق العاصمة الأقدم في العالم، تسمع في حاراتها هسيس التاريخ، وبراغ مدينة أصيلة يعيش في أنحائها العريقة الطراز تاريخ أوربا وعصورها الوسطى، ولكلتا المدينتين من الحداثة نصيب. فهل من دعاة حوار الحضارات من يتوئم بينهما؟